العيد في اليمن لم يعد كما كان، لم يعد موسما للفرح، بل صار موسما للألم، يذكّر الفقير بفقره، والمعلم براتبه المسلوب، والأب بعجزه أمام أطفاله. لم يعد العيد يوما تُفتح فيه البيوت للتهاني، بل صار يوما يُغلق فيه كثير من الأبواب خجلا من العوز. والسؤال هنا: من سرق فرحة العيد من اليمنيين؟
بين مطرقة الحوثي وسندان الشرعية”
في مناطق سيطرة الحوثيين، يعيش الناس تحت وطأة القمع والنهب، رواتب الموظفين مقطوعة منذ سنوات، والتجار يُجبرون على دفع جبايات باهظة لتمويل الحرب، وحتى المساعدات الإغاثية تُنهب أمام أعين الفقراء. في صنعاء، وتعز، وإب، وذمار، وكل مدينة يسيطر عليها الحوثيون، لا عيد للفقراء، بل عيد للنافذين ومن يدور في فلكهم.
أما في مناطق سيطرة الشرعية، فالوضع ليس بأفضل حال. فساد متجذر، وسوء إدارة، وغلاء يلتهم ما تبقى من أمل. مرتبات موظفي الدولة تتأخر، إن لم تكن منقطعة تماما، بينما المسؤولون يعيشون في الفنادق والقصور، يتحدثون عن الوطن وهم بعيدون عن معاناة الشعب. في عدن، وسيئون، ومأرب، وغيرها، لا فرق كبير، فالناس بين سلطة مهملة، وأسعار تحرق البسطاء، وخدمات شبه منهارة.
في كل بيت يمني، هناك معلم كان بالأمس منارة علم، لكنه اليوم يواجه سؤالا لا يستطيع الإجابة عنه: “أين ثياب العيد يا أبي؟” كيف يجيب، وهو لم يستلم راتبه منذ سنوات؟ كيف يشتري لهم ولو قطعة حلوى، وهو الذي أصبح يبحث عن أي عمل ليطعمهم؟ من نهب حقوق المعلم؟ الحوثيون قطعوا الرواتب واستبدلوا التعليم بالتعبئة الطائفية، والشرعية أغلقت آذانها عن نداءات الجوعى، فضاع حق المعلم بين الطرفين.
العيد هو فرحة الأطفال، لكن في اليمن، صار يوما يكتشف فيه الصغار معنى الفقر والحرمان. في الأسواق، يقف طفل ينظر إلى ثياب العيد، ثم ينظر إلى والده، فيخفض الأب رأسه هربا من السؤال. هناك طفلة تتمسك بأمها، تشير إلى لعبة في السوق، فتخفض الأم يدها وتقول لها: “العيد القادم إن شاء الله.” لكنها تعلم في قلبها أن العيد القادم لن يكون مختلفا، طالما أن السلطة في يد من لا يشعر بمعاناة الناس.
في الماضي، كانت الأسواق تمتلئ بالحياة قبل العيد، اليوم أصبحت صامتة، ليس لأن العيد لم يأتِ، بل لأن الناس لا يملكون ما يشترون به. في المقابل، هناك من يحتفل بأفخر الثياب وأغلى الولائم، إنهم الحوثيون الذين نهبوا أموال الدولة باسم “المجهود الحربي”، ومسؤولو الشرعية الذين يعيشون في الخارج ويغدقون الأموال على أنفسهم، بينما اليمنيون يصطفون في طوابير المساعدات.
ورغم كل هذا، سيظل اليمنيون أقوى من الحرب، وأكبر من الظلم، وسيحملون في قلوبهم أملا لا يموت. لكن العيد الحقيقي لن يكون في يوم مؤقت من الفرح المزيف، بل سيكون يوم تعود فيه الرواتب، وتنتهي سلطة الفاسدين، ويستعيد اليمني حقه المسلوب، ويستطيع كل أب أن يقول لأطفاله بثقة: “اشتروا ما شئتم.. العيد لنا جميعا.”
حتى ذلك اليوم، العيد في اليمن ليس فرحا، بل جرح ينزف في كل بيت، وذكرى موجعة لما كان، وحلم مؤجل بوطن يعود كما كان.